ابن العربي

704

أحكام القرآن

وروى أبو الأحوص عون « 1 » بن مالك بن نضلة الجشمي عن أبيه أنه وفد على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : أربّ إبل أنت أم ربّ غنم ؟ فقال : من كل المال آتاني اللّه فأكثر وأطيب . فقال : هل تنتج إبلك صحاحا آذانها فتعمد إلى المواسى فتقطع آذانها ، فتقول : هذه بحر . وتشقّ جلودها ، فتقول : هذه صرم « 2 » ، فتحرّمها عليك وعلى أهلك ؟ قال : نعم . قال : فإن اللّه تعالى قد أحلّ لك ما آتاك ، وموسى اللّه أحدّ ، وساعد اللّه أشدّ . المسألة الرابعة - لما ذم اللّه تعالى العرب على ما كانت تفعله من ذلك كان ذلك تحذيرا للأمة عن الوقوع في مثل ذلك من الباطل ، ولزمهم الانقياد إلى ما بيّن اللّه تعالى من التحليل والتحريم ، دون التعلق بما كان يلقيه إليهم الشيطان من الأباطيل . قال محمد بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : قال مالك بن أنس : الحبس الذي جاء محمد صلى اللّه عليه وسلم بإطلاقها التي في كتاب اللّه تعالى : ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ . قال الشافعي : هذا الذي كلّم به مالك بن أنس أبا يوسف عند هارون . وهذه إشارة إلى أنّ أبا يوسف خالف مالكا في الأحباس ، ورأى رأى شيخه أبي حنيفة في أنّ الحبس باطل . وروى عبد الملك بن عبد العزيز قال : حضرت مالكا وقد قال له رجل من أهل العراق عن صدقة الحبس ، فقال : إذا حيزت مضت . قال العراقي : إن شريحا قال : لا حبس عن كتاب اللّه . فضحك مالك ، وكان قليل الضحك ، وقال : يرحم اللّه شريحا لو « 3 » درى ما صنع أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هاهنا . وقد روى أن مالكا قال له أبو يوسف بحضرة الرشيد : إنّ الحبس لا يجوز . فقال له مالك : فهذه الأحباس أحباس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بخيبر وفدك وأحباس أصحابه ؟ فأما حظّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فثبت عنه أنه قال : إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة .

--> ( 1 ) في ل : بن عوف . ( 2 ) صرم : جمع صريم . هو الذي صرمت أذنه ، أي قطعت ( النهاية ) ( 3 ) في ل : لقد .